الجمعة، 9 مارس 2012

ظاهرة القمار في المجتمع الهواري




هوارة 44 :

عمر الغياتي

وأنا أتصفح التعليقات المنشورة في جريدتكم المحترمة أثار انتباهي إحداها يتطرق لمقاهي القمار وهي ملاحظة هامة ونظرة ثاقبة لصاحب التعليق لأن ظاهرة القمار تنتشر بكثرة في المجتمع الهواري حيث المقامرون الحالمون بالمال والثروة التي قد تأتي من خيول الحظ  أو قد لا تأتي ويتجرع المقامر أو القمار مرارة الهزيمة المادية والمعنوية وخيبة الأمل. لأنه ببساطة يرسم أمامه عالما مثاليا يظن أنه سيجني منه المال الوفير فتتكرر المحاولات إلى أن يقف على حافة الإفلاس ويتحول بذلك إلى مجرم أو قاتل ويمتهن أمورا أخرى شريرة منافية للقيم الإنسانية قصد الحصول على المال ومتابعة طريقه المعوج في عالم القمار والرذيلة.

أردت أن أكتب ولو شيئا يسيرا حول هذه الظاهرة الغريبة من كل جوانبها بدهاليزها وأسرارها المخفية ، إن عالم القمار يختزل الواقع والخيال والميتافيزيقيا وتناقضات بشرية عجيبة ، حكايات من ألف ليلة وليلة والعنترية والأزلية وحكايات أبو زيد الهلالي حكايات أبطالها أناس مثلنا في أسواق هوارة ودكاكينها وحواريها ،لكن بطولتهم المطلقة صارت على دروب الهلاك والشتات العائلي والمعاناة النفسية والاجتماعية. من منا لم يجد نفسه معنيا بهذه الاشكالية التي أضحت المشكلة العويصة في العديد من الأسر الهوارية حيث الأب أو الأخ مدمن على القمار والجلوس في مقاهي القمار تراه دائما مشوش الفكر فاقد القدرة على التحليل فأصاب الجميع في مقتل كما يقال ، لا حديث له إلا عن الأرقام وفرص الفوز بالملايين للخروج من مأساته الاجتماعية ،وبهذا يكون قد ساء لنفسه ومجتمعه وأسرته وهذه دعوة للبحث عن إجابات حول مسببات هذه الظاهرة وهذا يتطلب تحركا عمليا وعلميا من طرف باحثين ومختصين ليأتي كمحاولة في طريق الاستجابة لتلك الدعوات التي تريد رصد الظاهرة وتداعياتها الخطيرة على المجتمع وهذا ما تؤكده معطيات الواقع يجب أن نكون فاعلين في هذه المساحة لنلعب دورنا بالتوعية والنصيحة ومحاربة الظاهرة بشتى الوسائل وهذا كما أظن هو الدور الأساسي لكل مواطن شريف يسعى إلى التنمية الهادفة للتقدم والوعي ،إن دور جمعيات المجتمع المدني في هوارة كذلك يعتبر محوريا ، إذ لا يجب الاهتمام فقط بما هو أكاديمي في مجال السياسة والفن والأدب ولكن ينبغي النزول إلى الواقع ومحاولة الإحاطة بالظواهر الاجتماعية السلبية التي تدمر مجتمعنا وعلى رأسها القمار في حملة للتوعية والتحسيس ومحاولة إيجاد بدائل إيجابية يمكن أن يستثمر فيها المقامر وقته ويساهم في بناء مجتمع قوي وفعال لكن للأسف لا نتوفر على مثل هذه العقليات الفذة التي تخدم المجتمع وتسعى للنهوض به في جميع المناحي ، وحتى الجمعيات الموجودة في هوارة معظمها يشتغل من أجل البريستيج فقط وليس وفق ضوابط وشروط عملية تستطيع أن تخرج التائهين من الناس من حيرتهم وتوقظهم من غفوتهم، لقد أصاب الرجال المقامرين غشاوة ووسوس لهم الشيطان وزين أعمالهم وقد ساعدهم في ذلك سكون المجتمع الهوري وجموده وأنا أطرح القضية هنا من زاويتها الاجتماعية وتداعياتها النفسية ،لقد دنست أرض هوارة حقا بمقاهي القمار المنتشرة والخطير في الأمر أنها تقع قرب المؤسسات التعليمية وقرب مراكز أخرى حيوية وليس هناك من يحرك ساكنا ، فكما جاء في التعليق الذي كان سببا في تناولي لهذه الظاهرة لقد أصبحت هذه المقاهي بمثابة اقتصاد الريع في دولة الريع لفائدة رجال الشرطة والدرك والمسؤولين بالمدينة وتنتشر في سبت الكردان وأولاد تايمة وعين المديور وقهوة كبور وفي أماكن أخرى لا حصر لها معلنة الحرب عن السلم الاجتماعي وعن الهدوء والطمأنينة لأنها تهدد فعلا أمن المواطنين بما تجمع من مجرمين وأوكار الدعارة ،لقد دنست هذه الأرض بغزو واحتلال بغيضين ولا بد من تشافيها وتساميها على جراحها ووجعها وفتح نافذة جديدة على المستقبل الذي هو مستقبل أبنائنا وفلذات أكبادنا فلا بد من توفير بيئة سليمة للأجيال القادمة ،

 ومعلوم أن القمار أنواع قد أتطرق إليها إن شاء الله في موضوع آخر لكن أشهرها عند العامة هو ذلك القمار الشعبي البسيط الذي يكون بواسطة الورق أو الكارطة ويكون منتشرا في المقاهي والأسواق ويعتمد صاحب الكارطة الذي يكون في الحلقة على خدع وأساليب لإيقاع الزبائن القمارة في الشباك حيث يكون له من الأعوان ثلاثة ولا يراهم الزبون أو يدركهم ببصره لأنهم مختلطون بعامة الناس ، فيكون أحدهم صغيرا في الحجم ويسمى ،"كتيت"، بتشديد الياء والثاني متوسطا ويسمى ،"لاروخ" ، والثالث ضخما ويطلق عليه صاحب الحلقة عدة أسامي وتكون مهامهم عديدة ، يلعبون مع صاحب الكارطة أو الحلقة ويربحون المال مرارا وتكرارا أمام أعين الناس وذلك لإغوائهم بالمشاركة واستنزاف جيوبهم، وتكون مهمتهم كذلك المراقبة والتجسس على السلطة ورجال الدرك أو الشرطة في حالة ما أرادوا القبض عليهم رغم أني أشرت أنهم يدفعون المال لهذه الأجهزة ، لكن قد تكون ظروف خاصة تستدعي القبض عليهم ،كما يتحملون مسؤولية الفاع عن مول الحلقة ديالت القمر إذا نشب نزاع أو صراع في السوق وذلك أمر طبيعي لأنه عمل من أعمال الشيطان ، وتوجد لغة موحدة بين صاحب الحلقة ومعاونيه يسميها القمارة لغة "الغوص" ، فمثلا إذا كانت "الصوتة" أو الرقم عشرة في اليمين يقول ،، "دغر أوكاسي طايا" ، وإذا كانت في اليسار يقول ، دغر كفاشة وإذا كانت في الوسط يقول ،"طايا كوفاشة" لكي يعرفها العميل السري ويضع رجله عليها ويربح المال أمام أنظار الجميع ، وهناك أساليب أخرى من قبيل ،"مافحافو هنبوك" أي هذا الزبون لم يعد لديه مال ،، أو "كرسي على هاد "الباني" ، في إشارة إلى أتباعه الثلاثة ليحاولوا إدخال الرجل الواقف إلى اللعبة بشتى الطرق أو سلب مابحوزته من مال دون أن يشعر وهنا تختط فنون النشل والسرقة بالقمار ،، أو "نشلوطو ليه تاوزنا" ، أي يجب أن يضع مبلغا كبيرا في عملية القمار ،، وما إلى ذلك من الأساليب والخدع لأباطرة القمار بالكارطة ،وأقول في هذا المقام وياله من مقام أن الضحكة تخرج دائما من قلب المأساة والحزن والمثل الشائع عند العرب يقول ، شر البلية ما يضحك لأن القمارة استخدموا ذكائهم المفرط في الشر واستطاعوا اكتشاف لغات جديدة يعجز عن فكها علماء اللغة والكتابات الهيروغليفية ولذلك قلت في المقدمة إنه عالم حافل بالأسرار والأساطير ،هل يمكنني القول أن جماعة القمارة لم يجدوا أمامهم إلا هذه الحرفة للعيش ؟وجعلها تلك السياط التي يجلدون بها ظهر القهر والحزن والكبت النفسي والاجتماعي والصدمة والحقيقة المرة ،أم أن حرفة القمار إرهاب من نوع آخر تسلط على الضعفاء والبائسين ؟ هل القمار ضحية المجتمع أم ضحية نفسه ؟ وهل هو منفعل نمطيا بما يحيط به أو يصيبه ؟ ومن الواضح أن هذه الأسئلة والتفسيرات التي ستعقبها ستعطي لا محالة صورة ولو مصغرة عن واقع القمر و القمارة في المجتمع الهواري وذلك من خلال التأمل العميق في هذه الظاهرة لمحاولة فهمها وإدراك تشعباتها ،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق